أحمد بن محمد المقري التلمساني
158
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
كل محاسن الصور الجميلة مصوّرة في الحائط ومجسّمة بين يديه ، ويرى كلّ منهما صاحبه على هذه الصفة ، ورأيت في صدر الخلو حوض رخام مضلّع وعليه أنبوب مركب في صدره ، وأنبوب آخر برسم الماء البارد ، والأنبوب الأول برسم الماء الفاتر ، وعن يمنة الحوض « 1 » ويساره عمدان صغار منحوتة من البلور يوضع عليها مباخر الندّ والعود ، وأبصرت منها خلوة شديدة الضياء مفرحة بديعة قد أنفق عليها أموال كثيرة ، وسألت الخادم عن تلك الحيطان المشرقة المضيئة : من أي شيء صنعت ؟ فقال لي : ما أعلم . قال الحاكي : فما رأيت في عمري ولا سمعت بمثل تلك الخلوة ، ولا بأحسن من ذلك الحمّام ، مع أني ما أحسن أن أصفهما كما رأيتهما ، فإنه لم تتكرّر رؤيتي لهما ، ولا اتّفق لي الظفر بصناعتهما ومباشرتهما ، وفي الذي ذكرت كفاية ، انتهى . [ وصف دار جمال الملك البغدادي ] ولمّا اتّصل أبو القاسم علي بن أفلح البغدادي الكاتب بأمير المؤمنين المسترشد بالله العباسي ، ولقبه جمال الملك ، وأعطاه أربع ديار في درب الشاكرية اشترى دورا أخرى إلى جانبها ، وهدم الكلّ ، وأنشأ داره الكبيرة ، وأعانه الخليفة في بنائها ، وأطلق له أموالا وآلات البناء ، وكان في جملة ما أطلق له مائتا ألف آجرّة وأجريت الدار بالذهب ، وصنع فيها الحمّام العجيب الذي فيه بيت مستراح فيه أنبوب إن فركه الإنسان يمينا خرج ماء حار وإن فركه شمالا خرج ماء بارد ، وكان على إيوان الدار مكتوبا « 2 » : [ السريع ] إن عجب الراءون من ظاهري * فباطني لو علموا أعجب شيّدني من كفّه مزنة * يهمل منها العارض الصّيّب « 3 » ودبّجت روضة أخلاقه * فيّ رياضا نورها مذهب صدر كسا صدري من نوره * شمسا على الأيام لا تغرب وكتب على الطرز : [ مجزوء الكامل ] ومن المروءة للفتى * ما عاش دار فاخره فاقنع من الدنيا بها * واعمل لدار الآخرة هاتيك وافية بما * وعدت ، وهذي ساخره
--> ( 1 ) في ب : « وعن يمين الحوض ويساره عمدان . . الخ » . وفي ه : « وعن يمينه الحوض . . الخ » وليس بشيء . ( 2 ) في ه : « مكتوب » . ( 3 ) المزنة : السحابة الممطرة . والعارض : السحاب المعترض الأفق .